الشيخ محمد رشيد رضا
361
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
إلى الطعن فيه والتشكيك في كونه كلام اللّه عز وجل ، وإقامة الشبهات على بطلان دين الاسلام ، وترك المسلم منهم في ظلمات لا يبصر فيها بصيصا من النور يهتدي به إلى الدفاع عن دينه ؟ أنشك في هذا بعد اقدامهم على ابطال التشريع الاسلامي من حكومتهم حتى في الأحكام الشخصية من زواج وطلاق وارث تفضيلا للتشريع الأوروبي عليه على اختلافه ، وابطال التعليم الاسلامي من بلادهم واضطهاد علماء الدين حتى في ملابسهم ، فقد أكرهوهم على لبس الزي الخاص بغير المسلمين كغيرهم ، ولم يبالوا بمراعاة وجدان أحد ولا اعتقاده في أن ذلك معصية للّه تعالى بل هو آية الردة عن دينه - فعلوا هذا والسواد الأعظم من الشعب التركي يدين اللّه بالاسلام وجدانا وتسليما يحمله على الفضائل ويزعه عن الرذائل ، ولعلماء الدين احترام عنده ، ثم لم يستطع أحد منهم أن يدافع عن دين الشعب بكلمة مع كون مادة القانون الأساسي للجمهورية التركية الناطقة بأن دين الدولة هو الاسلام لما تنسخ كما نسخت أحكام الاسلام نفسها ، ذلك بأن من عارض الحكومة في عمل من أعمالها هذه يساق إلى محكمة خاصة تسمى محكمة الاستقلال مفوضة بأن تحكم بالقتل للدفاع عن هذه الحكومة اللادينية من غير استناد إلى شرع منزل ولا قانون مدون ، ويكون حكمها نهائيا لا استئناف له ولا مراجعة فيه ، وقد قتل كثير من العلماء والأتقياء للمعارضة في وضع القلنسوة الإفرنجية ( البرنيطة ) موضع العمامة واستبدالها بها ؟ هذا ما يجري اليوم فما ذا يكون في الغد إذا لم يجد المسلم التركي بين يديه في بلاده من كتب دينه الا ترجمة للقرآن بالصفة التي عرفت أغلاطها وقصورها ؟ نعم ان هؤلاء الملاحدة أنفسهم سيفسرونها له بما يزيده بعدا عن الاسلام ويعده للكفر به وعداوته وعداوة أهله ، ان طال أمر استبدادهم فيه لا تقل وما يمنع بقية أهل الدين منهم أن يفسروها له بالتركية تفسيرا يصحح الأغلاط ويدفع الشبهات ؟ فان الذين منعوا ما علمت يمنعون هذا أيضا وينشرون تفاسير ملاحدتهم المؤيدة لغرضهم وهم يستمدونها من خصوم الاسلام كدعاة النصرانية ، وشياطين السياسة الأوربية وملاحدة المادية دع ما يمليه عليهم الجهل أو الكفر أذكر مثالا واحدا من ذلك قوله تعالى ( وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ )